فصل: الآية رقم ‏(‏276‏)‏

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير القرطبي المسمى بـ «الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان» **


 الآية رقم ‏(‏270‏)‏

‏{‏وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من أنصار‏}‏

شرط وجوابه، وكانت النذور من سيرة العرب تكثر منها، فذكر الله تعالى النوعين، ما يفعله المرء متبرعا، وما يفعله بعد إلزامه لنفسه‏.‏ وفي الآية معنى الوعد والوعيد، أي من كان خالص النية فهو مثاب، ومن أنفق رياء أو لمعنى آخر مما يكسبه المن والأذى ونحو ذلك فهو ظالم، يذهب فعله باطلا ولا يجد له ناصرا فيه‏.‏ ومعنى ‏{‏يعلمه‏{‏ يحصيه، قاله مجاهد‏.‏ ووحد الضمير وقد ذكر شيئين، فقال النحاس‏:‏ التقدير ‏{‏وما أنفقتم من نفقة‏{‏ فإن الله يعلمها، ‏{‏أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه‏{‏ ثم حذف‏.‏ ويجوز أن يكون التقدير‏:‏ وما أنفقتم فإن الله يعلمه وتعود الهاء على ‏{‏ما‏{‏ كما أنشد سيبويه لامرئ القيس‏:‏

فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها لما نسجتها من جنوب وشمأل

ويكون ‏{‏أو نذرتم من نذر‏{‏ معطوفا عليه‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ ووحد الضمير في ‏{‏يعلمه‏{‏ وقد ذكر شيئين من حيث أراد ما ذكر أو نص‏.‏

قلت‏:‏ وهذا حسن‏:‏ فإن الضمير قد يراد به جميع المذكور وإن كثر‏.‏ والنذر حقيقة العبارة عنه أن تقول‏:‏ هو ما أوجبه المكلف على نفسه من العبادات مما لو لم يوجبه لم يلزمه، تقول‏:‏ نذر الرجل كذا إذا التزم فعله، ينذر - بضم الذال - وينذر - بكسرها - ‏.‏ وله أحكام يأتي بيانها في غير هذا الوضع إن شاء الله تعالى‏.‏

 الآية رقم ‏(‏271‏)‏

‏{‏إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير‏}‏

ذهب جمهور المفسرين إلى أن هذه الآية في صدقة التطوع، لأن الإخفاء فيها أفضل من الإظهار، وكذلك سائر العبادات الإخفاء أفضل في تطوعها لانتفاء الرياء عنها، وليس كذلك الواجبات‏.‏ قال الحسن‏:‏ إظهار الزكاة أحسن، وإخفاء التطوع أفضل، لأنه أدل على أنه يراد الله عز وجل به وحده‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها يقال بسبعين ضعفا، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها يقال بخمسة وعشرين ضعفا‏.‏ قال‏:‏ وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها‏.‏

قلت‏:‏ مثل هذا لا يقال من جهة الرأي وإنما هو توقيف، وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة‏)‏ وذلك أن الفرائض لا يدخلها رياء والنوافل عرضة لذلك‏.‏ وروى النسائي عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن الذي يجهر بالقرآن كالذي يجهر بالصدقة والذي يسر بالقرآن كالذي يسر بالصدقة‏)‏‏.‏ وفي الحديث‏:‏ ‏(‏صدقة السر تطفئ غضب الرب‏)‏‏.‏

قال ابن العربي‏:‏ وليس في تفضيل صدقة العلانية على السر، ولا تفضيل صدقة السر على العلانية حديث صحيح ولكنه الإجماع الثابت، فأما صدقة النفل فالقرآن ورد مصرحا بأنها في السر أفضل منها في الجهر، بيد أن علماءنا قالوا‏:‏ إن هذا على الغالب مخرجه، والتحقيق فيه أن الحال في الصدقة تختلف بحال المعطي لها والمعطى إياها والناس الشاهدين لها‏.‏ أما المعطي فله فيها فائدة إظهار السنة وثواب القدوة‏.‏

قلت‏:‏ هذا لمن قويت حاله وحسنت نيته وأمن على نفسه الرياء، وأما من ضعف عن هذه المرتبة فالسر له أفضل‏.‏ وأما المعطى إياها فإن السر له أسلم من احتقار الناس له، أو نسبته إلى أنه أخذها مع الغنى عنها وترك التعفف، وأما حال الناس فالسر عنهم أفضل من العلانية لهم، من جهة أنهم ربما طعنوا على المعطي لها بالرياء وعلى الآخذ لها بالاستغناء، ولهم فيها تحريك القلوب إلى الصدقة، لكن هذا اليوم قليل‏.‏

وقال يزيد بن أبي حبيب‏:‏ إنما نزلت هذه الآية في الصدقة على اليهود والنصارى، فكان يأمر بقسم الزكاة في السر‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ وهذا مردود، لا سيما عند السلف الصالح، فقد قال الطبري‏:‏ أجمع الناس على أن إظهار الواجب أفضل‏.‏

قلت‏:‏ ذكر الكيا الطبري أن في هذه الآية دلالة على قول إخفاء الصدقات مطلقا أولى، وأنها حق الفقير وأنه يجوز لرب المال تفريقها بنفسه، على ما هو أحد قولي الشافعي‏.‏ وعلى القول الآخر ذكروا أن المراد بالصدقات ههنا التطوع دون الفرض الذي إظهاره أولى لئلا يلحقه تهمة، ولأجل ذلك قيل‏:‏ صلاة النفل فرادى أفضل، والجماعة في الفرض أبعد عن التهمة‏.‏ وقال المهدوي‏:‏ المراد بالآية فرض الزكاة وما تطوع به، فكان الإخفاء أفضل في مدة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ساءت ظنون الناس بعد ذلك، فاستحسن العلماء إظهار الفرائض لئلا يظن بأحد المنع‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ وهذا القول مخالف للآثار، ويشبه في زماننا أن يحسن التستر بصدقة الفرض، فقد كثر المانع لها وصار إخراجها عرضة للرياء‏.‏ وقال ابن خويز منداد‏:‏ وقد يجوز أن يراد بالآية الواجبات من الزكاة والتطوع، لأنه ذكر الإخفاء ومدحه والإظهار ومدحه، فيجوز أن يتوجه إليهما جميعا‏.‏ وقال النقاش‏:‏ إن هذه الآية نسخها قوله تعالى‏{‏الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية‏}‏البقرة‏:‏ 274‏]‏ الآية‏.‏

قوله تعالى‏{‏فنعما هي‏{‏ ثناء على إبداء الصدقة، ثم حكم على أن الإخفاء خير من ذلك‏.‏ ولذلك قال بعض الحكماء‏:‏ إذا اصطنعت المعروف فاستره، وإذا اصطنع إليك فانشره‏.‏ قال دعبل الخزاعي‏:‏

إذا انتقموا أعلنوا أمرهم وإن أنعموا باكتتام

وقال سهل بن هارون‏:‏

خل إذا جئته يوما لتسأله أعطاك ما ملكت كفاه واعتذرا

يخفى صنائعه والله يظهرها إن الجميل إذا أخفيته ظهرا

وقال العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه‏:‏ لا يتم المعروف إلا بثلاث خصال‏:‏ تعجيله وتصغيره وستره، فإذا أعجلته هنيته، وإذا صغرته عظمته، وإذا سترته أتممته‏.‏ وقال بعض الشعراء فأحسن‏:‏

زاد معروفك عندي عظما أنه عندك مستور حقير

تتناساه كأن لم تأته وهو عند الناس مشهور خطير

واختلف القراء في قول ‏{‏فنعما هي‏{‏ فقرأ أبو عمرو ونافع في رواية ورش وعاصم في رواية حفص وابن كثير ‏{‏فنعما هي‏{‏ بكسر النون والعين‏.‏ وقرأ أبو عمرو أيضا ونافع في غير رواية ورش وعاصم في رواية أبي بكر والمفضل ‏{‏فنعما‏{‏ بكسر النون وسكون العين‏.‏ وقرأ الأعمش وابن عامر وحمزة والكسائي ‏{‏فنعما‏{‏ بفتح النون وكسر العين، وكلهم سكن الميم‏.‏ ويجوز في غير القرآن فنعم ما هي‏.‏ قال النحاس‏:‏ ولكنه في السواد متصل فلزم الإدغام‏.‏ وحكى النحويون في ‏{‏نعم‏{‏ أربع لغات‏:‏ نعم الرجل زيد، هذا الأصل‏.‏ ونعم الرجل، بكسر النون لكسر العين‏.‏ ونعم الرجل، بفتح النون وسكون العين، والأصل نعم حذفت الكسرة لأنها ثقيلة‏.‏ ونعم الرجل، وهذا أفضل اللغات، والأصل فيها نَعِم‏.‏ وهي تقع في كل مدح، فخففت وقلبت كسرة العين على النون وأسكنت العين، فمن قرأ ‏{‏فنعما هي‏{‏ فله تقديران‏:‏ أحدهما أن يكون جاء به على لغة من يقول نِعِم‏.‏ والتقدير الآخر أن يكون على اللغة الجيدة، فيكون الأصل نِعْمَ، ثم كسرت العين لالتقاء الساكنين‏.‏ قال النحاس‏:‏ فأما الذي حكي عن أبي عمرو ونافع من إسكان العين فمحال‏.‏ حكي عن محمد بن يزيد أنه قال‏:‏ أما إسكان العين والميم مشددة فلا يقدر أحد أن ينطق به، وإنما يروم الجمع بين ساكنين ويحرك ولا يأبه‏.‏ وقال أبو علي‏:‏ من قرأ بسكون العين لم يستقم قوله، لأنه جمع بين ساكنين الأول منهما ليس بحرف مد ولين وإنما يجوز ذلك عند النحويين إذا كان الأول حرف مد، إذ المد يصير عوضا من الحركة، وهذا نحو دابة وضوال ونحوه‏.‏ ولعل أبا عمرو أخفى الحركة واختلسها كأخذه بالإخفاء في ‏{‏بارئكم - و - يأمركم‏{‏ فظن السامع الإخفاء إسكانا للطف ذلك في السمع وخفائه‏.‏ قال أبو علي‏:‏ وأما من قرأ ‏{‏نعما‏{‏ بفتح النون وكسر العين فإنما جاء بالكلمة على أصلها ومنه قول الشاعر‏:‏

ما أقلت قدماي إنهم نعم الساعون في الأمر المبر

قال أبو علي‏:‏ و‏{‏ما‏{‏ من قوله تعالى‏{‏نعما‏{‏ في موضع نصب، وقوله ‏{‏هي‏{‏ تفسير للفاعل المضمر قبل الذكر، والتقدير نعم شيئا إبداؤها، والإبداء هو المخصوص بالمدح إلا أن المضاف حذف وأقيم المضاف إليه مقامه‏.‏ ويدلك على هذا قوله ‏{‏فهو خير لكم‏{‏ أي الإخفاء خير‏.‏ فكما أن الضمير هنا للإخفاء لا للصدقات فكذلك، أولا الفاعل هو الإبداء وهو الذي اتصل به الضمير، فحذف الإبداء وأقيم ضمير الصدقات مثله‏.‏ ‏{‏وإن تخفوها‏{‏ شرط، فلذلك حذفت النون‏.‏ ‏{‏وتؤتوها‏{‏ عطف عليه‏.‏ والجواب ‏{‏فهو خير لكم‏{‏‏.‏ ‏{‏ويكفر‏{‏ اختلف القراء في قراءته، فقرأ أبو عمرو وابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر وقتادة وابن أبي إسحاق ‏{‏ونكفر‏{‏ بالنون ورفع الراء‏.‏ وقرأ نافع وحمزة والكسائي بالنون والجزم في الراء، وروي مثل ذلك أيضا عن عاصم‏.‏ وروى الحسين بن علي الجعفي عن الأعمش ‏{‏يكفر‏{‏ بنصب الراء‏.‏ وقرأ ابن عامر بالياء ورفع الراء، ورواه حفص عن عاصم، وكذلك روي عن الحسن، وروي عنه بالياء والجزم‏.‏ وقرأ ابن عباس ‏{‏وتكفر‏{‏ بالتاء وكسر الفاء وجزم الراء‏.‏ وقرأ عكرمة ‏{‏وتكفر‏{‏ بالتاء وفتح الفاء وجزم الراء‏.‏ وحكى المهدوي عن ابن هرمز أنه قرأ ‏{‏وتكفر‏{‏ بالتاء ورفع الراء‏.‏ وحكي عن عكرمة وشهر بن حوشب أنهما قرآ بتاء ونصب الراء‏.‏ فهذه تسع قراءات أبينها ‏{‏ونكفر‏{‏ بالنون والرفع‏.‏ هذا قول الخليل وسيبويه‏.‏ قال النحاس‏:‏ قال سيبويه‏:‏ والرفع ههنا الوجه وهو الجيد، لأن الكلام الذي بعد الفاء يجري مجراه في غير الجزاء‏.‏ وأجاز الجزم بحمله على المعنى، لأن المعنى وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء يكن خيرا لكم ونكفر عنكم‏.‏ وقال أبو حاتم‏:‏ قرأ الأعمش ‏{‏يكفر‏{‏ بالياء دون واو قبلها‏.‏ قال النحاس‏:‏ والذي حكاه أبو حاتم عن الأعمش بغير واو جزما يكون على البدل كأنه في موضع الفاء‏.‏ والذي روي عن عاصم ‏{‏ويكفر‏{‏ بالياء والرفع يكون معناه ويكفر الله، هذا قول أبي عبيد‏.‏ وقال أبو حاتم‏:‏ معناه يكفر الإعطاء‏.‏ وقرأ ابن عباس ‏{‏وتكفر‏{‏ يكون معناه وتكفر الصدقات‏.‏ وبالجملة فما كان من هذه القراءات بالنون فهي نون العظمة، وما كان منها بالتاء فهي الصدقة فاعلمه، إلا ما روي عن عكرمة من فتح الفاء فإن التاء في تلك القراءة إنما هي للسيئات، وما كان منها بالياء فالله تعالى هو المكفر، والإعطاء في خفاء مكفر أيضا كما ذكرنا، وحكاه مكي‏.‏ وأما رفع الراء فهو على وجهين‏:‏ أحدهما أن يكون الفعل خبر ابتداء تقديره ونحن نكفر أو وهي تكفر، أعني الصدقة، أو والله يكفر‏.‏ والثاني القطع والاستئناف لا تكون الواو العاطفة للاشتراك لكن تعطف جملة كلام على جملة‏.‏ وقد ذكرنا معنى قراءة الجزم‏.‏ فأما نصب ‏{‏ونكفر‏{‏ فضعيف وهو على إضمار أن وجاز على بُعْد‏.‏ قال المهدوي‏:‏ وهو مشبه بالنصب في جواب الاستفهام، إذ الجزاء يجب به الشيء لوجوب غيره كالاستفهام‏.‏ والجزم في الراء أفصح هذه القراءات، لأنها تؤذن بدخول التكفير في الجزاء وكونه مشروطا إن وقع الإخفاء‏.‏ وأما الرفع فليس فيه هذا المعنى‏.‏

قلت‏:‏ هذا خلاف ما اختاره الخليل وسيبويه‏.‏ و‏{‏من‏{‏ في قوله ‏{‏من سيئاتكم‏{‏ للتبعيض المحض‏.‏ وحكى الطبري عن فرقة أنها زائدة‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ وذلك منهم خطأ‏.‏ ‏{‏والله بما تعملون خبير‏{‏ وعد ووعيد‏.‏

 الآية رقم ‏(‏272‏)‏

‏{‏ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون‏}‏

قوله تعالى‏{‏ليس عليك هداهم‏{‏ هذا الكلام متصل بذكر الصدقات، فكأنه بين فيه جواز الصدقة على المشركين‏.‏‏"‏روى سعيد بن جبير مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم في سبب نزول هذه الآية أن المسلمين كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة، فلما كثر فقراء المسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏لا تتصدقوا إلا على أهل دينكم‏)‏‏.‏ فنزلت هذه الآية مبيحة للصدقة على من ليس من دين الإسلام‏.‏ وذكر النقاش أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بصدقات فجاءه يهودي فقال‏:‏ أعطني‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ليس لك من صدقة المسلمين شيء‏)‏‏.‏ فذهب اليهودي غير بعيد فنزلت‏{‏ليس عليك هداهم‏{‏ فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه، ثم نسخ الله ذلك بآية الصدقات‏.‏ وروى ابن عباس أنه قال‏:‏ كان ناس من الأنصار لهم قرابات من بني قريظة والنضير، وكانوا لا يتصدقون عليهم رغبة منهم في أن يسلموا إذا احتاجوا، فنزلت الآية بسبب أولئك‏.‏ وحكى بعض المفسرين أن أسماء ابنة أبي بكر الصديق أرادت أن تصل جدها أبا قحافة ثم امتنعت من ذلك لكونه كافرا فنزلت الآية في ذلك‏.‏ وحكى الطبري أن مقصد النبي صلى الله عليه وسلم بمنع الصدقة إنما كان ليسلموا ويدخلوا في الدين، فقال الله تعالى‏{‏ليس عليك هداهم‏{‏‏.‏ وقيل‏{‏ليس عليك هداهم‏{‏ ليس متصلا بما قبل، فيكون ظاهرا في الصدقات وصرفها إلى الكفار، بل يحتمل أن يكون معناه ابتداء كلام‏.‏

قال علماؤنا‏:‏ هذه الصدقة التي أبيحت لهم حسب ما تضمنته هذه الآثار هي صدقة التطوع‏.‏ وأما المفروضة فلا يجزئ دفعها لكافر، لقوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم‏)‏‏.‏ قال ابن المنذر‏:‏ أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن الذمي لا يعطى من زكاة الأموال شيئا، ثم ذكر جماعة ممن نص على ذلك ولم يذكر خلافا‏.‏ وقال المهدوي‏:‏ رخص للمسلمين أن يعطوا المشركين من قراباتهم من صدقة الفريضة لهذه الآية‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ وهذا مردود بالإجماع‏.‏ والله أعلم‏.‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ تصرف إليهم زكاة الفطر‏.‏ ابن العربي‏:‏ وهذا ضعيف لا أصل له‏.‏ ودليلنا أنها صدقة طهرة واجبة فلا تصرف إلى الكافر كصدقة الماشية والعين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أغنوهم عن سؤال هذا اليوم‏)‏ يعني يوم الفطر‏.‏

قلت‏:‏ وذلك لتشاغلهم بالعيد وصلاة العيد وهذا لا يتحقق في المشركين‏.‏ وقد يجوز صرفها إلى غير المسلم في قول من جعلها سنة، وهو أحد القولين عندنا، وهو قول أبي حنيفة على ما ذكرنا، نظرا إلى عموم الآية في البر وإطعام الطعام وإطلاق الصدقات‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ وهذا الحكم متصور للمسلمين مع أهل ذمتهم ومع المسترقين من الحربيين‏.‏

قلت‏:‏ وفي التنزيل ‏{‏ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا‏}‏الإنسان‏:‏ 8‏]‏ والأسير في دار الإسلام لا يكون إلا مشركا‏.‏ وقال تعالى‏{‏لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم‏}‏الممتحنة‏:‏ 8‏]‏‏.‏ فظواهر هذه الآيات تقتضي جواز صرف الصدقات إليهم جملة، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم خص منها الزكاة المفروضة، لقوله عليه السلام لمعاذ‏:‏ ‏(‏خذ الصدقة من أغنيائهم وردها على فقرائهم‏)‏ واتفق العلماء على ذلك على ما تقدم‏.‏ فيدفع إليهم من صدقة التطوع إذا احتاجوا، والله أعلم‏.‏ قال ابن العربي‏:‏ فأما المسلم العاصي فلا خلاف أن صدقة الفطر تصرف إليه إلا إذا كان يترك أركان الإسلام من الصلاة والصيام فلا تدفع إليه الصدقة حتى يتوب‏.‏ وسائر أهل المعاصي تصرف الصدقة إلى مرتكبيها لدخولهم في اسم المسلمين‏.‏ وفي صحيح مسلم أن رجلا تصدق على غني وسارق وزانية وتقبلت صدقته، على ما يأتي بيانه في آية ‏{‏الصدقات‏{‏‏.‏

قوله تعالى‏{‏ولكن الله يهدي من يشاء‏{‏ أي يرشد من يشاء‏.‏ وفي هذا رد على القدرية وطوائف من المعتزلة، كما تقدم‏.‏

قوله تعالى‏{‏وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله‏{‏ شرط وجوابه‏.‏ والخير في هذه الآية المال، لأنه قد اقترن بذكر الإنفاق فهذه القرينة تدل على أنه المال، ومتى لم تقترن بما يدل على أنه المال فلا يلزم أن يكون بمعنى المال، نحو قوله تعالى‏{‏خير مستقرا‏}‏الفرقان‏:‏ 24‏]‏ وقوله ‏{‏مثقال ذرة خيرا يره‏}‏الزلزلة‏:‏ 7‏]‏‏.‏ إلى غير ذلك‏.‏ وهذا تحرز من قول عكرمة‏:‏ كل خير في كتاب الله تعالى فهو المال‏.‏ وحكي أن بعض العلماء كان يصنع كثيرا من المعروف ثم يحلف أنه ما فعل مع أحد خيرا، فقيل له في ذلك فيقول‏:‏ إنما فعلت مع نفسي، ويتلو ‏{‏وما تنفقوا من خير فلأنفسكم‏{‏‏.‏ ثم بين تعالى أن النفقة المعتد بقبولها إنما هي ما كان ابتغاء وجهه‏.‏ و‏{‏ابتغاء‏{‏ هو على المفعول له‏.‏ وقيل‏:‏ إنه شهادة من الله تعالى للصحابة رضي الله عنهم أنهم إنما ينفقون ابتغاء وجهه، فهذا خرج مخرج التفضيل والثناء عليهم‏.‏ وعلى التأويل الأول هو اشتراط عليهم، ويتناول الاشتراط غيرهم من الأمة‏.‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص‏:‏ ‏(‏إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله تعالى إلا أجرت بها حتى ما تجعل في فيِ امرأتك‏)‏‏.‏

قوله تعالى‏{‏وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون‏{‏ ‏{‏يوف إليكم‏{‏ تأكيد وبيان لقوله‏{‏وما تنفقوا من خير فلأنفسكم‏{‏ وأن ثواب الإنفاق يوفى إلى المنفقين ولا يبخسون منه شيئا فيكون ذلك البخس ظلما لهم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏273‏)‏

‏{‏للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم‏}‏

قوله تعالى‏{‏للفقراء‏{‏ اللام متعلقة بقوله ‏{‏وما تنفقوا من خير‏{‏ وقيل‏:‏ بمحذوف تقديره الإنفاق أو الصدقة للفقراء‏.‏ قال السدي ومجاهد وغيرهما‏:‏ المراد بهؤلاء الفقراء فقراء المهاجرين من قريش وغيرهم، ثم تتناول الآية كل من دخل تحت صفة الفقراء غابر الدهر‏.‏ وإنما خص فقراء المهاجرين بالذكر لأنه لم يكن هناك سواهم وهم أهل الصفة وكانوا نحوا من أربعمائة رجل، وذلك أنهم كانوا يقدمون فقراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما لهم أهل ولا مال فبنيت لهم صفة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل لهم‏:‏ أهل الصفة‏.‏ قال أبو ذر‏:‏ كنت من أهل الصفة وكنا إذا أمسينا حضرنا باب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر كل رجل فينصرف برجل ويبقى من بقي من أهل الصفة عشرة أو أقل فيؤتى النبي صلى الله عليه وسلم بعشائه ونتعشى معه‏.‏ فإذا فرغنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ناموا في المسجد‏)‏‏.‏ وخرج الترمذي عن البراء بن عازب ‏{‏ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون‏{‏ قال‏:‏ نزلت فينا معشر الأنصار كنا أصحاب نخل، قال‏:‏ فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته، وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فيضربه بعصاه فيسقط من البُسر والتمر فيأكل، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي بالقنو فيه الشيص والحَشَف، وبالقنو قد انكسر فيعلقه في المسجد، فأنزل الله تعالى ‏{‏يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه‏}‏البقرة‏:‏ 267‏]‏‏.‏ قال‏:‏ ولو أن أحدكم أهدي إليه مثل ما أعطاه لم يأخذه إلا على إغماض وحياء‏.‏ قال‏:‏ فكنا بعد ذلك يأتي الرجل بصالح ما عنده‏.‏ قال‏:‏ هذا حديث حسن غريب صحيح‏.‏ قال علماؤنا‏:‏ وكانوا رضي الله عنهم في المسجد ضرورة، وأكلوا من الصدقة ضرورة، فلما فتح الله على المسلمين استغنوا عن تلك الحال وخرجوا ثم ملكوا وتأمروا‏.‏ ثم بين الله سبحانه من أحوال أولئك الفقراء المهاجرين ما يوجب الحنو عليهم بقوله تعالى‏{‏الذين أحصروا في سبيل الله‏{‏ والمعنى حبسوا ومنعوا‏.‏ قال قتادة وابن زيد‏:‏ معنى ‏{‏أحصروا في سبيل الله‏{‏ حبسوا أنفسهم عن التصرف في معايشهم خوف العدو، ولهذا قال تعالى‏{‏لا يستطيعون ضربا في الأرض‏{‏ لكون البلاد كلها كفرا مطبقا‏.‏ وهذا في صدر الإسلام، فعلتهم تمنع من الاكتساب بالجهاد، وإنكار الكفار عليهم إسلامهم يمنع من التصرف في التجارة فبقوا فقراء‏.‏ وقيل‏:‏ معنى ‏{‏لا يستطيعون ضربا في الأرض‏{‏ أي لما قد ألزموا أنفسهم من الجهاد‏.‏ والأول أظهر‏.‏ والله أعلم‏.‏

قوله تعالى‏{‏يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف‏{‏ أي أنهم من الانقباض وترك المسألة والتوكل على الله بحيث يظنهم الجاهل بهم أغنياء‏.‏ وفيه دليل على أن اسم الفقر يجوز أن يطلق على من له كسوة ذات قيمة ولا يمنع ذلك من إعطاء الزكاة إليه‏.‏ وقد أمر الله تعالى بإعطاء هؤلاء القوم، وكانوا من المهاجرين الذين يقاتلون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرضى ولا عميان‏.‏ والتعفف تفعل، وهو بناء مبالغة من عف عن الشيء إذا أمسك عنه وتنزه عن طلبه، وبهذا المعنى فسر قتادة وغيره‏.‏ وفتح السين وكسرها في ‏{‏يحسبهم‏{‏ لغتان‏.‏ قال أبو علي‏:‏ والفتح أقيس، لأن العين من الماضي مكسورة فبابها أن تأتي في المضارع مفتوحة‏.‏ والقراءة بالكسر حسنة، لمجيء السمع به وإن كان شاذا عن القياس‏.‏ و‏{‏من‏{‏ في قوله ‏{‏من التعفف‏{‏ لابتداء الغاية‏.‏ وقيل لبيان الجنس‏.‏

قوله تعالى‏{‏تعرفهم بسيماهم‏{‏ فيه دليل على أن للسيما أثرا في اعتبار من يظهر عليه ذلك، حتى إذا رأينا ميتا في دار الإسلام وعليه زنار وهو غير مختون لا يدفن في مقابر المسلمين، ويقدم ذلك على حكم الدار في قول أكثر العلماء، ومنه قوله تعالى‏{‏ولتعرفنهم في لحن القول‏}‏محمد‏:‏ 30‏]‏‏.‏ فدلت الآية على جواز صرف الصدقة إلى من له ثياب وكسوة وزي في التجمل‏.‏ واتفق العلماء على ذلك، وإن اختلفوا بعده في مقدار ما يأخذه إذا احتاج فأبو حنيفة اعتبر مقدار ما تجب فيه الزكاة، والشافعي اعتبر قوت سنة، ومالك اعتبر أربعين درهما، والشافعي لا يصرف الزكاة إلى المكتسب‏.‏

والسيما ‏(‏مقصورة‏)‏‏:‏ العلامة، وقد تمد فيقال السيماء‏.‏ وقد اختلف العلماء في تعيينههنا، فقال مجاهد‏:‏ هي الخشوع والتواضع‏.‏ السدي‏:‏ أثر الفاقة والحاجة في وجوههم وقلة النعمة‏.‏ ابن زيد‏:‏ رثاثة ثيابهم‏.‏ وقال قوم وحكاه مكي‏:‏ أثر السجود‏.‏ ابن عطية‏:‏ وهذا حسن، وذلك لأنهم كانوا متفرغين متوكلين لا شغل لهم في الأغلب إلا الصلاة، فكان أثر السجود عليهم‏.‏

قلت‏:‏ وهده السيما التي هي أثر السجود اشترك فيها جميع الصحابة رضوان الله عليهم بإخبار الله تعالى في آخر ‏{‏الفتح‏{‏ بقوله‏{‏سيماهم في وجوههم من أثر السجود‏}‏الفتح‏:‏ 29‏]‏ فلا فرق بينهم وبين غيرهم، فلم يبق إلا أن تكون السيماء أثر الخصاصة والحاجة، أو يكون أثر السجود أكثر، فكانوا يعرفون بصفرة الوجوه من قيام الليل وصوم النهار‏.‏ والله أعلم‏.‏ وأما الخشوع فذلك محله القلب ويشترك فيه الغني والفقير، فلم يبق إلا ما اخترناه، والموفق الإله‏.‏

قوله تعالى‏{‏لا يسألون الناس إلحافا‏{‏ مصدر في موضع الحال أي ملحفين يقال‏:‏ ألحف وأحفى وألح في المسألة سواء ويقال‏:‏

وليس للملحف مثل الرد

واشتقاق الإلحاف من اللحاف، سمي بذلك لاشتماله على وجوه الطلب في المسألة كاشتمال اللحاف من التغطية، أي هذا السائل يعم الناس بسؤاله فيلحفهم ذلك، ومنه قول ابن أحمر‏:‏

فظل يحفهن بقفقفيه ويلحفهن هفهافا ثخينا

يصف ذكر النعام يحضن بيضا بجناحيه ويجعل جناحه لها كاللحاف وهو رقيق مع ثخنه‏.‏ وروى النسائي ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان إنما المسكين المتعفف اقرؤوا إن شئتم ‏{‏لا يسألون الناس إلحافا‏{‏‏.‏

واختلف العلماء في معنى قوله ‏{‏لا يسألون الناس إلحافا‏{‏ على قولين، فقال قوم منهم الطبري والزجاج‏:‏ إن المعنى لا يسألون البتة، وهذا على أنهم متعففون عن المسألة عفة تامة، وعلى هذا جمهور المفسرين، يكون التعفف صفة ثابتة لهم، أي لا يسألون الناس إلحاحا ولا غير إلحاح‏.‏ وقال قوم‏:‏ إن المراد نفي الإلحاف، أي أنهم يسألون غير إلحاف، وهذا هو السابق للفهم، أي يسألون غير ملحفين‏.‏ وفي هذا تنبيه على سوء حالة من يسأل الناس إلحافا‏.‏‏"‏روى الأئمة واللفظ لمسلم عن معاوية بن أبي سفيان قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تلحفوا في المسألة فوالله لا يسألني أحد منكم شيئا فتخرج له مسألته مني شيئا وأنا له كاره فيبارك له فيما أعطيته‏)‏‏.‏ وفي الموطأ ‏{‏عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد أنه قال‏:‏ نزلت أنا وأهلي ببقيع الغرقد فقال لي أهلي‏:‏ اذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسأله لنا شيئاً نأكله، وجعلوا يذكرون من حاجتهم، فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدت عنده رجلا يسأله ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏لا أجد ما أعطيك‏)‏ فتولى الرجل عنه وهو مغضب وهو يقول‏:‏ لعمري إنك لتعطي من شئت‏!‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنه يغضب علي ألا أجد ما أعطيه من سأل منكم وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا‏)‏‏.‏ قال الأسدي‏:‏ فقلت للقحة لنا خير من أوقية - قال مالك‏:‏ والأوقية أربعون درهما - قال‏:‏ فرجعت ولم أسأله، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بشعير وزبيب فقسم لنا منه حتى أغنانا الله‏{‏‏.‏ قال ابن عبدالبر‏:‏ هكذا رواه مالك وتابعه هشام بن سعد وغيره، وهو حديث صحيح، وليس حكم الصحابي إذا لم يسم كحكم من دونه إذا لم يسم عند العلماء، لارتفاع الجرحة عن جميعهم وثبوت العدالة لهم‏.‏ وهذا الحديث يدل على أن السؤال مكروه لمن له أوقية من فضة، فمن سأل وله هذا الحد والعدد والقدر من الفضة أو ما يقوم مقامها ويكون عدلا منها فهو ملحف، وما علمت أحدا من أهل العلم إلا وهو يكره السؤال لمن له هذا المقدار من الفضة أو عدلها من الذهب على ظاهر هذا الحديث‏.‏ وما جاءه من غير مسألة فجائز له أن يأكله إن كان من غير الزكاة، وهذا مما لا أعلم فيه خلافا، فإن كان من الزكاة ففيه خلاف يأتي بيانه في آية الصدقات إن شاء الله تعالى‏.‏

قال ابن عبدالبر‏:‏ من أحسن ما روي من أجوبة الفقهاء في معاني السؤال وكراهيته ومذهب أهل الورع فيه ما حكاه الأثرم عن أحمد بن حنبل وقد سئل عن المسألة متى تحل قال‏:‏ إذا لم يكن ما يغذيه ويعشيه على حديث سهل بن الحنظلية‏.‏ قيل لأبي عبدالله‏:‏ فإن اضطر إلى المسألة‏؟‏ قال‏:‏ هي مباحة له إذا اضطر‏.‏ قيل له‏:‏ فإن تعفف ‏؟‏ قال‏:‏ ذلك خير له‏.‏ ثم قال‏:‏ ما أظن أحدا يموت من الجوع‏!‏ الله يأتيه برزقه‏.‏ ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدري ‏(‏من استعف أعفه الله‏)‏‏.‏ وحديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال له‏:‏ ‏(‏تعفف‏)‏‏.‏ قال أبو بكر‏:‏ وسمعته يسأل عن الرجل لا يجد شيئا أيسأل الناس أم يأكل الميتة‏؟‏ فقال‏:‏ أيأكل الميتة وهو يجد من يسأله، هذا شنيع‏.‏ قال‏:‏ وسمعته يسأله هل يسأل الرجل لغيره‏؟‏ قال لا، ولكن يعرض، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم حين جاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار فقال‏:‏ ‏(‏تصدقوا‏)‏ ولم يقل أعطوهم‏.‏ قال أبو عمر‏:‏ قد قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏اشفعوا تؤجروا‏)‏‏.‏ وفيه إطلاق السؤال لغيره‏.‏ والله أعلم‏.‏ وقال‏:‏ ‏(‏ألا رجل يتصدق على هذا‏)‏‏؟‏ قال أبو بكر‏:‏ قيل له - يعني أحمد بن حنبل - فالرجل يذكر الرجل فيقول‏:‏ إنه محتاج‏؟‏ فقال‏:‏ هذا تعريض وليس به بأس، إنما المسألة أن يقول أعطه‏.‏ ثم قال‏:‏ لا يعجبني أن يسأل المرء لنفسه فكيف لغيره‏؟‏ والتعريض هنا أحب إلي‏.‏

قلت‏:‏ قد‏"‏روى أبو داود والنسائي وغيرهما أن الفراسي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أسأل يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏لا وإن كنت سائلا لا بد فاسأل الصالحين‏)‏‏.‏ فأباح صلى الله عليه وسلم سؤال أهل الفضل والصلاح عند الحاجة إلى ذلك، وإن أوقع حاجته بالله فهو أعلى‏.‏ قال إبراهيم بن أدهم‏:‏ سؤال الحاجات من الناس هي الحجاب بينك وبين الله تعالى، فأنزل حاجتك بمن يملك الضر والنفع، وليكن مفزعك إلى الله تعالى يكفيك الله ما سواه وتعيش مسرورا‏.‏

فإن جاءه شيء من غير سؤال فله أن يقبله ولا يرده، إذ هو رزق رزقه الله‏.‏‏"‏روى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إلى عمر بن الخطاب بعطاء فرده، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لم رددته‏)‏‏؟‏ فقال‏:‏ يا رسول الله، أليس أخبرتنا أن أحدنا خير له ألا يأخذ شيئا‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنما ذاك عن المسألة فأما ما كان من غير مسألة فإنما هو رزق رزقكه الله‏)‏‏.‏ فقال عمر بن الخطاب‏:‏ والذي نفسي بيده لا أسأل أحدا شيئا ولا يأتيني بشيء من غير مسألة إلا أخذته‏.‏ وهذا نص‏.‏ وخرج مسلم في صحيحه والنسائي في سننه وغيرهما عن ابن عمر قال سمعت عمر يقول‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء فأقول‏:‏ أعطه أفقر إليه مني، حتى أعطاني مرة مالاً فقلت‏:‏ أعطه أفقر إليه مني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏خذه وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه ومالا فلا تتبعه نفسك‏)‏‏.‏ زاد النسائي - بعد قوله ‏(‏خذه - فتموله أو تصدق به‏)‏‏.‏ وروى مسلم من حديث عبدالله بن السعدي المالكي عن عمر فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إذا أعطيت شيئا من غير أن تسأل فكل وتصدق‏)‏‏.‏ وهذا يصحح لك حديث مالك المرسل‏.‏ قال الأثرم‏:‏ سمعت أبا عبدالله أحمد بن حنبل يسأل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما أتاك من غير مسألة ولا إشراف‏)‏ أي الإشراف أراد‏؟‏ فقال‏:‏ أن تستشرفه وتقول‏:‏ لعله يبعث إلي بقلبك‏.‏ قيل له‏:‏ وإن لم يتعرض، قال نعم إنما هو بالقلب‏.‏ قيل له‏:‏ هذا شديد قال‏:‏ وإن كان شديدا فهو هكذا‏.‏ قيل له‏:‏ فإن كان الرجل لم يعودني أن يرسل إلي شيئا إلا أنه قد عرض بقلبي فقلت‏:‏ عسى أن يبعث إلي‏.‏ قال‏:‏ هذا إشراف، فأما إذا جاءك من غير أن تحتسبه ولا خطر على قلبك فهذا الآن ليس فيه إشراف‏.‏ قال أبو عمر‏:‏ الإشراف في اللغة رفع الرأس إلى المطموع عنده والمطموع فيه، وأن يهش الإنسان ويتعرض‏.‏ وما قاله أحمد في تأويل الإشراف تضييق وتشديد وهو عندي بعيد، لأن الله عز وجل تجاوز لهذه الأمة عما حدثت به أنفسها ما لم ينطق به لسان أو تعمله جارحة‏.‏ وأما ما اعتقده القلب من المعاصي ما خلا الكفر فليس بشيء حتى يعمل له، وخطرات النفس متجاوز عنها بإجماع‏.‏

الإلحاح في المسألة والإلحاف فيها مع الغنى عنها حرام لا يحل‏.‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من سأل الناس أموالهم تكثراً فإنما يسأل جمراً فليستقل أو ليستكثر‏)‏ رواه أبو هريرة خرجه مسلم‏.‏ وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم‏)‏ رواه مسلم أيضا‏.‏

السائل إذا كان محتاجا فلا بأس أن يكرر المسألة ثلاثا إعذارا وإنذارا والأفضل تركه‏.‏ فإن كان المسؤول يعلم بذلك وهو قادر على ما سأله وجب عليه الإعطاء، وإن كان جاهلا به فيعطيه مخافة أن يكون صادقاً في سؤاله فلا يفلح في رده‏.‏

فإن كان محتاجاً إلى ما يقيم به سنة كالتجمل بثوب يلبسه في العيد والجمعة فذكر ابن العربي‏:‏ سمعت بجامع الخليفة ببغداد رجلاً يقول‏:‏ هذا أخوكم يحضر الجمعة معكم وليس عنده ثياب يقيم بها سنة الجمعة‏.‏ فلما كان في الجمعة الأخرى رأيت عليه ثيابا أخر، فقيل لي‏:‏ كساه إياها أبو الطاهر البرسني أخذ الثناء‏.‏

 الآية رقم ‏(‏274‏)‏

‏{‏الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون‏}‏

روي عن ابن عباس وأبي ذر وأبي أمامة وأبي الدرداء وعبدالله بن بشر الغافقي والأوزاعي أنها نزلت في علف الخيل المربوطة في سبيل الله‏.‏ وذكر ابن سعد في الطبقات قال‏:‏ أخبرت عن محمد بن شعيب بن شابور قال‏:‏ أنبأنا سعيد بن سنان عن يزيد بن عبدالله بن عريب عن أبيه عن جده عريب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله تعالى‏{‏الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون‏{‏ قال‏:‏ ‏(‏هم أصحاب الخيل‏)‏‏.‏ وبهذا الإسناد قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏المنفق على الخيل كباسط يده بالصدقة لا يقبضها وأبوالها وأرواثها عند الله يوم القيامة كذكي المسك‏)‏‏.‏ وروي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، كانت معه أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلاً وبدرهم نهاراً وبدرهم سراً وبدرهم جهراً، ذكره عبدالرزاق قال‏:‏ أخبرنا عبدالوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس‏.‏ ابن جريج‏:‏ نزلت في رجل فعل ذلك، ولم يسم عليا ولا غيره‏.‏ وقال قتادة‏.‏ هذه الآية نزلت في المنفقين من غير تبذير ولا تقتير‏.‏ ومعنى ‏{‏بالليل والنهار‏{‏ في الليل والنهار، ودخلت الفاء في قوله تعالى‏{‏فلهم‏{‏ لأن في الكلام معنى الجزاء‏.‏ وقد تقدم‏.‏ ولا يجوز زيد فمنطلق‏.‏

 الآية رقم ‏(‏275‏)‏

‏{‏الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون‏}‏

قوله تعالى‏{‏الذين يأكلون الربا‏{‏ ‏(‏يأكلون‏)‏ يأخذون، فعبر عن الأخذ بالأكل، لأن الأخذ إنما يراد للأكل‏.‏ والربا في اللغة الزيادة مطلقا، يقال‏:‏ ربا الشيء يربو إذا زاد، ومنه الحديث‏:‏ ‏(‏فلا والله ما أخذنا من لقمة إلا ربا من تحتها‏)‏ يعني الطعام الذي دعا فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة، خرج الحديث مسلم رحمه الله‏.‏ وقياس كتابته بالياء للكسرة في أوله، وقد كتبوه في القرآن بالواو‏.‏ ثم إن الشرع قد تصرف في هذا الإطلاق فقصره على بعض موارده، فمرة أطلقه على كسب الحرام، كما قال الله تعالى في اليهود‏{‏وأخذهم الربا وقد نهوا عنه‏}‏النساء‏:‏ 161‏]‏‏.‏ ولم يرد به الربا الشرعي الذي حكم بتحريمه علينا وإنما أراد المال الحرام، كما قال تعالى‏{‏سماعون للكذب أكالون للسحت‏}‏المائدة‏:‏ 42‏]‏ يعني به المال الحرام من الرشا، وما استحلوه من أموال الأميين حيث قالوا‏{‏ليس علينا في الأميين سبيل‏}‏آل عمران‏:‏ 75‏]‏‏.‏ وعلى هذا فيدخل فيه النهي عن كل مال حرام بأي وجه اكتسب‏.‏ والربا الذي عليه عرف الشرع شيئان‏:‏ تحريم النساء، والتفاضل في العقود وفي المطعومات على ما نبينه‏.‏ وغالبه ما كانت العرب تفعله، من قولها للغريم‏:‏ أتقضي أم تربي ‏؟‏ فكان الغريم يزيد في عدد المال ويصبر الطالب عليه‏.‏ وهذا كله محرم باتفاق الأمة‏.‏

أكثر البيوع الممنوعة إنما تجد منعها لمعنى زيادة إما في عين مال، وإما في منفعة لأحدهما من تأخير ونحوه‏.‏ ومن البيوع ما ليس فيه معنى الزيادة، كبيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وكالبيع ساعة النداء يوم الجمعة، فإن قيل لفاعلها، آكل الربا فتجوز وتشبيه‏.‏

روى الأئمة واللفظ لمسلم عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مِثْلا بِمثل يداً بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء‏)‏‏.‏ وفي حديث عبادة بن الصامت‏:‏ ‏(‏فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد‏)‏‏.‏ وروى أبو داود عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏الذهب بالذهب تبرها وعينها والفضة بالفضة تبرها وعينها والبر بالبر مُدْيٌ بمديٍ والشعير بالشعير مدي بمدي والتمر بالتمر مدي بمدي والملح بالملح مدي بمدي فمن زاد أو ازداد فقد أربى ولا بأس يبيع الذهب بالفضة والفضة أكثرهما يداً بيد وأما نسيئة فلا ولا بأس ببيع البر بالشعير والشعير أكثرهما يداً بيد وأما نسيئة فلا‏)‏‏.‏ وأجمع العلماء على القول بمقتضى هذه السنة وعليها جماعة فقهاء المسلمين إلا في البر والشعير فإن مالكا جعلهما صنفا واحدا، فلا يجوز منهما اثنان بواحد، وهو قول الليث والأوزاعي ومعظم علماء المدينة والشام، وأضاف مالك إليهما السلت‏.‏ وقال الليث‏:‏ السلت والدخن والذرة صنف واحد، وقاله ابن وهب‏.‏

قلت‏:‏ وإذا ثبتت السنة فلا قول معها‏.‏ وقال عليه السلام‏:‏ ‏(‏فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد‏)‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏(‏البر بالبر والشعير بالشعير‏)‏ دليل على أنهما نوعان مختلفان كمخالفة البر للتمر، ولأن صفاتهما مختلفة وأسماؤهما مختلفة، ولا اعتبار بالمنبت والمحصد إذا لم يعتبره الشرع، بل فصل وبين، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة والثوري وأصحاب الحديث‏.‏

كان معاوية بن أبي سفيان يذهب إلى أن النهي والتحريم إنما ورد من النبي صلى الله عليه وسلم في الدينار المضروب والدرهم المضروب لا في التبر من الذهب والفضة بالمضروب، ولا في المصوغ بالمضروب‏.‏ وقد قيل إن ذلك إنما كان منه في المصوغ خاصة، حتى وقع له مع عبادة ما خرجه مسلم وغيره، قال‏:‏ غزونا وعلى الناس معاوية فغنمنا غنائم كثيرة، فكان مما غنمنا آنية من فضة فأمر معاوية رجلا ببيعها في أعطيات الناس فتنازع الناس في ذلك فبلغ عبادة بن الصامت ذلك فقام فقال‏:‏ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين من زاد أو ازداد فقد أربى، فرد الناس ما أخذوا، فبلغ ذلك معاوية فقام خطيبا فقال‏:‏ ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصة ثم قال‏:‏ لنحدثن بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كره معاوية - أو قال وإن رغم - ما أبالي إلا أصحبه في جنده في ليلة سوداء‏.‏ قال حماد هذا أو نحوه‏.‏ قال ابن عبدالبر‏:‏ وقد روي أن هذه القصة إنما كانت لأبي الدرداء مع معاوية‏.‏ ويحتمل أن يكون وقع ذلك لهما معه، ولكن الحديث في العرف محفوظ لعبادة، وهو الأصل الذي عول عليه العلماء في باب ‏[‏الربا‏]‏‏.‏ ولم يختلفوا أن فعل معاوية في ذلك غير جائز، وغير نكير أن يكون معاوية خفي عليه ما قد علمه أبو الدرداء وعبادة فإنهما جليلان من فقهاء الصحابة وكبارهم، وقد خفي على أبي بكر وعمر ما وجد عند غيرهم ممن هو دونهم، فمعاوية أخرى‏.‏ ويحتمل أن يكون مذهبه كمذهب ابن عباس، فقد كان وهو بحر في العلم لا يرى الدرهم بالدرهمين بأسا حتى صرفه عن ذلك أبو سعيد‏.‏ وقصة معاوية هذه مع عبادة كانت في ولاية عمر‏.‏ قال قبيصة بن ذؤيب‏:‏ إن عبادة أنكر شيئا على معاوية فقال‏:‏ لا أساكنك بأرض أنت بها ودخل المدينة‏.‏ فقال له عمر‏:‏ ما أقدمك ‏؟‏ فأخبره‏.‏ فقال‏:‏ ارجع إلى مكانك، فقبح الله أرضا لست فيها ولا أمثالك ‏!‏ وكتب إلى معاوية ‏{‏لا إمارة لك عليه‏{‏‏.‏

روى الأئمة واللفظ للدارقطني عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما من كانت له حاجة بورق فليصرفها بذهب وإن كانت له حاجة بذهب فليصرفها بورق هاء وهاء‏)‏‏.‏ قال العلماء فقوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما‏)‏ إشارة إلى جنس الأصل المضروب، بدليل قوله‏:‏ ‏(‏الفضة بالفضة والذهب بالذهب‏)‏ الحديث‏.‏ والفضة البيضاء والسوداء والذهب الأحمر والأصفر كل ذلك لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا مثلاً بمثل سواء بسواء على كل حال، على هذا جماعة أهل العلم على ما بينا‏.‏ واختلفت الرواية عن مالك في الفلوس فألحقها بالدراهم من حيث كانت ثمنا للأشياء، ومنع من إلحاقها مرة من حيث إنها ليست ثمنا في كل بلد وإنما يختص بها بلد دون بلد‏.‏

لا اعتبار بما قد روي عن كثير من أصحاب مالك وبعضهم يرويه عن مالك في التاجر يحفزه الخروج وبه حاجة إلى دراهم مضروبة أو دنانير مضروبة، فيأتي دار الضرب بفضته أو ذهبه فيقول للضراب، خذ فضتي هذه أو ذهبي وخذ قدر عمل يدك وادفع إلي دنانير مضروبة في ذهبي أو دراهم مضروبة في فضتي هذه لأني محفوز للخروج وأخاف أن يفوتني من أخرج معه، أن ذلك جائز للضرورة، وأنه قد عمل به بعض الناس‏.‏ وحكاه ابن العربي في قبسه عن مالك في غير التاجر، وإن مالكا خفف في ذلك، فيكون في الصورة قد باع فضته التي زنتها مائة وخمسة دراهم أجره بمائة وهذا محض الربا‏.‏ والذي أوجب جواز ذلك أنه لو قال له‏:‏ اضرب لي هذه وقاطعه على ذلك بأجرة، فلما ضربها قبضها منه وأعطاه أجرتها، فالذي فعل مالك أولا هو الذي يكون آخرا، ومالك إنما نظر إلى المال فركب عليه حكم الحال، وأباه سائر الفقهاء‏.‏ قال ابن العربي‏:‏ والحجة فيه لمالك بينة‏.‏ قال أبو عمر رحمه الله‏:‏ وهذا هو عين الربا الذي حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله‏:‏ ‏(‏من زاد أو ازداد فقد أربى‏)‏‏.‏ وقد رد ابن وهب هذه المسألة على مالك وأنكرها‏.‏ وزعم الأبهري أن ذلك من باب الرفق لطلب التجارة ولئلا يفوت السوق، وليس الربا إلا على من أراد أن يربي ممن يقصد إلى ذلك ويبتغيه‏.‏ ونسي الأبهري أصله في قطع الذرائع، وقوله فيمن باع ثوبا بنسيئة وهو لا نية له في شرائه ثم يجده في السوق يباع‏:‏ إنه لا يجوز له ابتياعه منه بدون ما باعه به وإن لم يقصد إلى ذلك ولم يبتغه، ومثله كثير، ولو لم يكن الربا إلا على من قصده ما حرم إلا على الفقهاء‏.‏ وقد قال عمر‏:‏ لا يتجر في سوقنا إلا من فقه وإلا أكل الربا‏.‏ وهذا بين لمن رزق الإنصاف وألهم رشده‏.‏

قلت‏:‏ وقد بالغ مالك رحمه الله في منع الزيادة حتى جعل المتوهم كالمتحقق، فمنع دينارا ودرهما بدينار ودرهم سدا للذريعة وحسما للتوهمات، إذ لولا توهم الزيادة لما تبادلا‏.‏ وقد علل منع ذلك بتعذر المماثلة عند التوزيع، فإنه يلزم منه ذهب وفضة بذهب‏.‏ وأوضح من هذا منعه التفاضل المعنوي، وذلك أنه منع دينارا من الذهب العالي ودينارا من الذهب الدون في مقابلة العالي وألفى الدون، وهذا من دقيق نظره رحمه الله، فدل أن تلك الرواية عنه منكرة ولا تصح‏.‏ والله أعلم‏.‏

قال الخطابي‏:‏ التبر قطع الذهب والفضة قبل أن تضرب وتطبع دراهم أو دنانير، واحدتها تبرة‏.‏ والعين‏:‏ المضروب من الدراهم أو الدنانير‏.‏ وقد حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يباع مثقال ذهب عين بمثقال وشيء من تبر غير مضروب‏.‏ وكذلك حرم التفاوت بين المضروب من الفضة وغير المضروب منها، وذلك معنى قوله‏:‏ ‏(‏تبرها وعينها سواء‏)‏‏.‏

أجمع العلماء على أن التمر بالتمر ولا يجوز إلا مثلا بمثل‏.‏ واختلفوا في بيع التمرة الواحدة بالتمرتين، والحبة الواحدة من القمح بحبتين، فمنعه الشافعي وأحمد وإسحاق والثوري، وهو قياس قول مالك وهو الصحيح، لأن ما جرى الربا فيه بالتفاضل في كثيره دخل قليله في ذلك قياسا ونظرا‏.‏ احتج من أجاز ذلك بأن مستهلك التمرة والتمرتين لا تجب عليه القيمة، قال‏:‏ لأنه لا مكيل ولا موزون فجاز فيه التفاضل‏.‏

اعلم رحمك الله أن مسائل هذا الباب كثيرة وفروعه منتشرة، والذي يربط لك ذلك أن تنظر إلى ما اعتبره كل واحد من العلماء في علة الربا، فقال أبو حنيفة‏:‏ علة ذلك كونه مكيلا أو موزونا جنسا، فكل ما يدخله الكيل أو الوزن عنده من جنس واحد، فإن بيع بعضه ببعض متفاضلا أو نسيئا لا يجوز، فمنع بيع التراب بعضه ببعض متفاضلا، لأنه يدخله الكيل، وأجاز الخبز قرصا بقرصين، لأنه لم يدخل عنده في الكيل الذي هو أصله، فخرج من الجنس الذي يدخله الربا إلى ما عداه‏.‏ وقال الشافعي‏:‏ العلة كونه مطعوما جنسا‏.‏ هذا قوله في الجديد، فلا يجوز عنده بيع الدقيق بالخبز ولا بيع الخبر بالخبز متفاضلا ولا نسيئا، وسواء أكان الخبز خميرا أو فطيرا‏.‏ ولا يجوز عنده بيضة ببيضتين، ولا رمانة برمانتين، ولا بطيخة ببطيختين لا يدا بيد ولا نسيئة، لأن ذلك كله طعام مأكول‏.‏ وقال في القديم‏:‏ كونه مكيلا أو موزونا‏.‏ واختلفت عبارات أصحابنا المالكية في ذلك، وأحسن ما في ذلك كونه مقتاتا مدخرا للعيش غالبا جنسا، كالحنطة والشعير والتمر والملح المنصوص عليها، وما في معناها كالأرز والذرة والدخن والسمسم، والقطاني كالفول والعدس واللوبياء والحمص، وكذلك اللحوم والألبان والخلول والزيوت، والثمار كالعنب والزبيب والزيتون، واختلف في التين، ويلحق بها العسل والسكر‏.‏ فهذا كله يدخله الربا من جهة النساء‏.‏ وجائز فيه التفاضل لقوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد‏)‏‏.‏ ولا ربا في رطب الفواكه التي لا تبقى كالتفاح والبطيخ والرمان والكمثرى والقثاء والخيار والباذنجان وغير ذلك من الخضراوات‏.‏ قال مالك‏:‏ لا يجوز بيع البيض بالبيض متفاضلا، لأنه مما يدخر، ويجوز عنده مثلا بمثل‏.‏ وقال محمد بن عبدالله بن عبدالحكم‏:‏ جائز بيضة ببيضتين وأكثر، لأنه مما لا يدخر، وهو قول الأوزاعي‏.‏

اختلف النحاة في لفظ ‏{‏الربا‏{‏ فقال البصريون‏:‏ هو من ذوات الواو، لأنك تقول في تثنيته‏:‏ رِبَوان، قاله سيبويه‏.‏ وقال الكوفيون‏:‏ يكتب بالياء، وتثنيته بالياء، لأجل الكسرة التي في أوله‏.‏ قال الزجاج‏:‏ ما رأيت خطأ أقبح من هذا ولا أشنع لا يكفيهم الخطأ في الخط حتى يخطئوا في التثنية وهم يقرؤون‏{‏وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس‏}‏الروم‏:‏ 39‏]‏ قال محمد بن يزيد‏:‏ كتب ‏{‏الربا‏{‏ في المصحف بالواو فرقا بينه وبين الزنا، وكان الربا أولى منه بالواو، لأنه من ربا يربو‏.‏

قوله تعالى‏{‏لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس‏{‏ الجملة خبر الابتداء وهو ‏{‏الذين‏{‏‏.‏ والمعنى من قبورهم، قاله ابن عباس ومجاهد وابن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي وابن زيد‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ يجعل معه شيطان يخنقه‏.‏ وقالوا كلهم‏:‏ يبعث كالمجنون عقوبة له وتمقيتاً عند جميع أهل المحشر‏.‏ ويقوي هذا التأويل المجمع عليه أن في قراءة ابن مسعود ‏{‏لا يقومون يوم القيامة إلا كما يقوم‏{‏‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ وأما ألفاظ الآية فكانت تحتمل تشبيه حال القائم بحرص وجشع إلى تجارة الدنيا بقيام المجنون، لأن الطمع والرغبة تستفزه حتى تضطرب أعضاؤه، وهذا كما تقول لمسرع في مشيه يخلط في هيئة حركاته إما من فزع أو غيره‏:‏ قد جن هذا‏!‏ وقد شبه الأعشى ناقته في نشاطها بالجنون في قوله‏:‏

وتصبح عن غب السرى وكأنما ألم بها من طائف الجن أولق

وقال آخر‏:‏

لعمرك بي من حب أسماء أولق

لكن ما جاءت به قراءة ابن مسعود وتظاهرت به أقوال المفسرين يضعف هذا التأويل‏.‏ و‏{‏يتخبطه‏{‏ يتفعله من خبط يخبط، كما تقول‏:‏ تملكه وتعبده‏.‏ فجعل الله هذه العلامة لأكلة الربا، وذلك أنه أرباه في بطونهم فأثقلهم، فهم إذا خرجوا من قبورهم يقومون ويسقطون‏.‏ ويقال‏:‏ إنهم يبعثون يوم القيامة قد انتفخت بطونهم كالحبالى، وكلما قاموا سقطوا والناس يمشون عليهم‏.‏ وقال بعض العلماء‏:‏ إنما ذلك شعار لهم يعرفون به يوم القيامة ثم العذاب من وراء ذلك، كما أن الغال يجيء بما غل يوم القيامة بشهرة يشهر بها ثم العذاب من وراء ذلك‏.‏ وقال تعالى‏{‏يأكلون‏{‏ والمراد يكسبون الربا ويفعلونه‏.‏ وإنما خص الأكل بالذكر لأنه أقوى مقاصد الإنسان في المال، ولأنه دال على الجشع وهو أشد الحرص، يقال‏:‏ رجل جشع بين الجشع وقوم جشعون، قاله في المجمل‏.‏ فأقيم هذا البعض من توابع الكسب مقام الكسب كله، فاللباس والسكنى والادخار والإنفاق على العيال داخل في قوله‏{‏الذين يأكلون‏{‏‏.‏

في هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصرع من جهة الجن، وزعم أنه من فعل الطبائع، وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان ولا يكون منه مس، وقد مضى الرد عليهم فيما تقدم من هذا الكتاب‏.‏ وقد‏"‏روى النسائي عن أبي اليسر قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول‏:‏ ‏(‏اللهم إني أعوذ بك من التردي والهدم والغرق والحريق وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبراً وأعوذ بك أن أموت لديغاً‏)‏‏.‏ وروي من حديث محمد بن المثنى حدثنا أبو داود حدثنا همام عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول‏:‏ ‏(‏اللهم إني أعوذ بك من الجنون والجذام والبرص وسيئ الأسقام‏)‏‏.‏ والمس‏:‏ الجنون، يقال‏:‏ مس الرجل وألس، فهو ممسوس ومألوس إذا كان مجنونا، وذلك علامة الربا في الآخرة‏.‏ وروي في حديث الإسراء‏:‏ ‏(‏فانطلق بي جبريل فمررت برجال كثير كل رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم متصدين على سابلة آل فرعون وآل فرعون يعرضون على النار بكرة وعشيا فيقبلون مثل الإبل المهيومة يتخبطون الحجارة والشجر لا يسمعون ولا يعقلون فإذا أحس بهم أصحاب تلك البطون قاموا فتميل بهم بطونهم فيصرعون ثم يقوم أحدهم فيميل به بطنه فيصرع فلا يستطيعون براحا حتى يغشاهم آل فرعون فيطؤونهم مقبلين ومدبرين فذلك عذابهم في البرزخ بين الدنيا والآخرة وآل فرعون يقولون اللهم لا تقم الساعة أبدا، فإن الله تعالى يقول‏{‏ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب‏}‏المؤمن‏:‏ 46‏]‏ - قلت - يا جبريل من هؤلاء‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏هؤلاء الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس‏)‏‏.‏ والمس الجنون وكذلك الأولق والألس والرود‏.‏

قوله تعالى‏{‏ذلك بأنهم قالوا‏{‏ معناه عند جميع المتأولين في الكفار، ولهم قيل‏{‏فله ما سلف‏{‏ ولا يقال ذلك لمؤمن عاص بل ينقض بيعه ويرد فعله وإن كان جاهلا، فلذلك قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد‏)‏‏.‏ لكن قد يأخذ العصاة في الربا بطرف من وعيد هذه الآية‏.‏

قوله تعالى‏{‏إنما البيع مثل الربا‏{‏ أي إنما الزيادة عند حلول الأجل آخرا كمثل أصل الثمن في أول العقد، وذلك أن العرب كانت لا تعرف ربا إلا ذلك، فكانت إذا حل دينها قالت للغريم‏:‏ إما أن تقضي وإما أن تربي، أي تزيد في الدين‏.‏ فحرم الله سبحانه ذلك ورد عليهم قولهم بقوله الحق‏{‏وأحل الله البيع وحرم الربا‏}‏البقرة‏:‏ 275‏]‏ وأوضح أن الأجل إذا حل ولم يكن عنده ما يؤدي أنظر إلى الميسرة‏.‏ وهذا الربا هو الذي نسخه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله يوم عرفة لما قال‏:‏ ‏(‏ألا إن كل رباً موضوع وإن أول ربا أضعه ربانا ربا عباس بن عبدالمطلب فإنه موضوع كله‏)‏‏.‏ فبدأ صلى الله عليه وسلم بعمه وأخص الناس به‏.‏ وهذا من سنن العدل للإمام أن يفيض العدل على نفسه وخاصته فيستفيض حينئذ في الناس‏.‏

قوله تعالى‏{‏وأحل الله البيع‏{‏ هذا من عموم القرآن، والألف واللام للجنس لا للعهد إذ لم يتقدم بيع مذكور يرجع إليه، كما قال تعالى‏{‏والعصر إن الإنسان لفي خسر‏}‏العصر 1، 2‏]‏ ثم استثنى ‏{‏إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات‏}‏العصر‏:‏ 3‏]‏‏.‏ وإذا ثبت أن البيع عام فهو مخصص بما ذكرناه من الربا وغير ذلك مما نهي عنه ومنع العقد عليه، كالخمر والميتة وحَبلَ الحَبَلة وغير ذلك مما هو ثابت في السنة وإجماع الأمة النهي عنه‏.‏ ونظيره ‏{‏فاقتلوا المشركين‏}‏التوبة‏:‏ 5‏]‏ وسائر الظواهر التي تقتضي العمومات ويدخلها التخصيص وهذا مذهب أكثر الفقهاء‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ هو من مجمل القرآن الذي فسر بالمحلل من البيع وبالمحرم فلا يمكن أن يستعمل في إحلال البيع وتحريمه إلا أن يقترن به بيان من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإن دل على إباحة البيوع في الجملة دون التفصيل‏.‏ وهذا فرق ما بين العموم والمجمل‏.‏ فالعموم يدل على إباحة البيوع في الجملة، والتفصيل ما لم يخص بدليل‏.‏ والمجمل لا يدل على إباحتها في التفصيل حتى يقترن به بيان‏.‏ والأول أصح‏.‏ والله أعلم‏.‏

البيع في اللغة مصدر باع كذا بكذا، أي دفع عوضاً وأخذ معوضاً‏.‏ وهو يقتضي بائعا وهو المالك أو من ينزل منزلته، ومبتاعا وهو الذي يبذل الثمن، ومبيعا وهو المثمون وهو الذي يبذل في مقابلته الثمن‏.‏ وعلى هذا فأركان البيع أربعة‏:‏ البائع والمبتاع والثمن والمثمن‏.‏ ثم المعاوضة عند العرب تختلف بحسب اختلاف ما يضاف إليه، فإن كان أحد المعوضين في مقابلة الرقبة سمي بيعاً، وإن كان في مقابلة منفعة رقبة فإن كانت منفعة بضع سمي نكاحاً، وإن كانت منفعة غيرها سمي إجارة، وإن كان عينا بعين فهو بيع النقد وهو الصرف، وان كان بدين مؤجل فهو السلم، وسيأتي بيانه في آية الدين‏.‏ وقد مضى حكم الصرف، ويأتي حكم الإجارة في ‏{‏القصص‏{‏ وحكم المهر في النكاح في ‏{‏النساء‏{‏ كل في موضعه إن شاء الله تعالى‏.‏

البيع قبول وإيجاب يقع باللفظ المستقبل والماضي، فالماضي فيه حقيقة والمستقبل كناية، ويقع بالصريح والكناية المفهوم منها نقل الملك‏.‏ فسواء قال‏:‏ بعتك هذه السلعة بعشرة فقال‏:‏ اشتريتها، أو قال المشتري‏:‏ اشتريتها وقال البائع‏:‏ بعتكها، أو قال البائع‏:‏ أنا أبيعك بعشرة فقال المشتري‏:‏ أنا أشتري أو قد اشتريت، وكذلك لو قال‏:‏ خذها بعشرة أو أعطيتكها أو دونكها أو بورك لك فيها بعشرة أو سلمتها إليك - وهما يريدان البيع - فذلك كله بيع لازم‏.‏ ولو قال البائع‏:‏ بعتك بعشرة ثم رجع قبل أن يقبل المشتري فقد قال‏:‏ ليس له أن يرجع حتى يسمع قبول المشتري أو رده، لأنه قد بذل ذلك من نفسه وأوجبه عليها، وقد قال ذلك له، لأن العقد لم يتم عليه‏.‏ ولو قال البائع‏:‏ كنت لاعبا، فقد اختلفت الرواية عنه، فقال مرة‏:‏ يلزمه البيع ولا يلتفت إلى قوله‏.‏ وقال مرة‏:‏ ينظر إلى قيمة السلعة‏.‏

فإن كان الثمن يشبه قيمتها فالبيع لازم، وإن كان متفاوتا كعبد بدرهم ودار بدينار، علم أنه لم يرد به البيع، وإنما كان هازلاً فلم يلزمه‏.‏

قوله تعالى‏{‏وحرم الربا‏{‏ الألف واللام هنا للعهد، وهو ما كانت العرب تفعله كما بيناه، ثم تتناول ما حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهى عنه من البيع الذي يدخله الربا وما في معناه من البيوع المنهي عنها‏.‏

عقد الربا مفسوخ لا يجوز بحال، لما رواه الأئمة واللفظ لمسلم عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ جاء بلال بتمر برني فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من أين هذا‏)‏ ‏؟‏ فقال بلال‏:‏ من تمر كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع لمطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك‏:‏ ‏(‏أوه عين الربا لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشتري التمر فبعه ببيع آخر ثم اشتر به‏)‏ وفي رواية ‏(‏هذا الربا فردوه ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا‏)‏‏.‏ قال علماؤنا‏:‏ فقوله ‏(‏أوه عين الربا‏)‏ أي هو الربا المحرم نفسه لا ما يشبهه‏.‏ وقوله‏:‏ ‏(‏فردوه‏)‏ يدل على وجوب فسخ صفقة الربا وأنها لا تصح بوجه، وهو قول الجمهور، خلافاً لأبي حنيفة حيث يقول‏:‏ إن بيع الربا جائز بأصله من حيث هو بيع، ممنوع بوصفه من حيث هو رباً، فيسقط الربا ويصح البيع‏.‏ ولو كان على ما ذكر لما فسخ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الصفقة، ولأمره برد الزيادة على الصاع ولصحح الصفقة في مقابلة الصاع‏.‏

كل ما كان من حرام بين ففسخ فعلى المبتاع رد السلعة بعينها‏.‏ فإن تلفت بيده رد القيمة فيما له القيمة، وذلك كالعقار والعروض والحيوان، والمثل فيما له مثل من موزون أو مكيل من طعام أو عرض‏.‏ قال مالك‏:‏ يرد الحرام البين فات أو لم يفت، وما كان مما كره الناس رد إلا أن يفوت فيترك‏.‏

قوله تعالى‏{‏ فمن جاءه موعظة من ربه‏{‏ قال جعفر بن محمد الصادق رحمهما الله‏:‏ حرم الله الربا ليتقارض الناس‏.‏ وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏قرض مرتين يعدل صدقة مرة‏)‏ أخرجه البزار، وقد تقدم هذا المعنى مستوفى‏.‏ وقال بعض الناس‏:‏ حرمه الله لأنه متلفة للأموال مهلكة للناس‏.‏ وسقطت علامة التأنيث في قوله تعالى‏{‏فمن جاءه‏{‏ لأن تأنيث ‏{‏الموعظة‏{‏ غير حقيقي وهو بمعنى وعظ‏.‏ وقرأ الحسن ‏{‏فمن جاءته‏{‏ بإثبات العلامة‏.‏

هذه الآية تلتها عائشة لما أخبرت بفعل زيد بن أرقم‏.‏‏"‏روى الدارقطني عن العالية بنت أنفع قالت‏:‏ خرجت أنا وأم محبة إلى مكة فدخلنا على عائشة رضي الله عنها فسلمنا عليها، فقالت لنا‏:‏ ممن أنتن ‏؟‏ قلنا من أهل الكوفة، قالت‏:‏ فكأنها أعرضت عنا، فقالت لها أم محبة‏:‏ يا أم المؤمنين ‏!‏ كانت لي جارية وإني بعتها من زيد بن أرقم الأنصاري بثمانمائة درهم إلى عطائه وإنه أراد بيعها فابتعتها منه بستمائة درهم نقداً‏.‏ قالت‏:‏ فأقبلت علينا فقالت‏:‏ بئسما شريت وما اشتريت ‏!‏ فأبلغي زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب‏.‏ فقالت لها‏:‏ أرأيت إن لم آخذ منه إلا رأس مالي ‏؟‏ قالت‏{‏فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف‏{‏‏.‏ العالية هي زوج أبي إسحاق الهمداني الكوفي السبيعي أم يونس بن أبي إسحاق‏.‏ وهذا الحديث أخرجه مالك من رواية ابن وهب عنه في بيوع الآجال، فان كان منها ما يؤدي إلى الوقوع في المحظور منع منه وإن كان ظاهره بيعاً جائزاً‏.‏ وخالف مالكاً في هذا الأصل جمهور الفقهاء وقالوا‏:‏ الأحكام مبنية على الظاهر لا على الظنون‏.‏ ودليلنا القول بسد الذرائع، فإن سلم وإلا استدللنا على صحته‏.‏ وقد تقدم‏.‏ وهذا الحديث نص، ولا تقول عائشة ‏(‏أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده إلا أن يتوب‏)‏ إلا بتوقيف، إذ مثله لا يقال بالرأي فإن إبطال الأعمال لا يتوصل إلى معرفتها إلا بالوحي كما تقدم‏.‏ وفي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏إن الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يوقع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه‏)‏‏.‏ وجه دلالته أنه منع من الإقدام على المتشابهات مخافة الوقوع في المحرمات وذلك سد للذريعة‏.‏ وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن من الكبائر شتم الرجل والديه‏)‏ قالوا‏:‏ وكيف يشتم الرجل والديه‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه‏)‏‏.‏ فجعل التعريض لسب الآباء كسب الآباء‏.‏ ولعن صلى الله عليه وسلم اليهود إذا أكلوا ثمن ما نهوا عن أكله‏.‏ وقال أبو بكر في كتابه‏:‏ لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة‏.‏ ونهى ابن عباس عن دراهم بدراهم بينهما جريرة‏.‏ واتفق العلماء على منع الجمع بين بيع وسلف، وعلى تحريم قليل الخمر وإن كان لا يسكر، وعلى تحريم الخلوة بالأجنبية وإن كان عنيناً، وعلى تحريم النظر إلى وجه المرأة الشابة إلى غير ذلك مما يكثر ويعلم على القطع والثبات أن الشرع حكم فيها بالمنع، لأنها ذرائع المحرمات‏.‏ والربا أحق ما حميت مراتعه وسدت طرائقه، ومن أباح هذه الأسباب فليبح حفر البئر ونصب الحبالات لهلاك المسلمين والمسلمات، وذلك لا يقوله أحد‏.‏ وأيضا فقد اتفقنا على منع من باع بالعينة إذا عرف بذلك وكانت عادته، وهي في معنى هذا الباب‏.‏ والله الموفق للصواب‏.‏

روى أبو داود عن ابن عمر قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم‏)‏‏.‏ في إسناده أبو عبدالرحمن الخراساني‏.‏ ليس بمشهور‏.‏ وفسر أبو عبيد الهروي العينة فقال‏:‏ هي أن يبيع من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمى، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها به‏.‏ قال‏:‏ فإن اشترى بحضرة طالب العينة سلعة من آخر بثمن معلوم وقبضها ثم باعها من طالب العينة بثمن أكثر مما اشتراه إلى أجل مسمى، ثم باعها المشتري من البائع الأول بالنقد بأقل من الثمن فهذه أيضا عينة، وهي أهون من الأولى، وهو جائز عند بعضهم‏.‏ وسميت عينة لحضور النقد لصاحب العينة، وذلك أن العَين هو المال الحاضر والمشتري إنما يشتريها ليبيعها بعين حاضر يصل إليه من فوره‏.‏

قال علماؤنا‏:‏ فمن باع سلعة بثمن إلى أجل ثم ابتاعها بثمن من جنس الثمن الذي باعها به، فلا يخلو أن يشتريها منه بنقد، أو إلى أجل دون الأجل الذي باعها إليه، أو إلى أبعد منه، بمثل الثمن أو بأقل منه أو بأكثر، فهذه ثلاث مسائل‏:‏ وأما الأولى والثانية فإن كان بمثل الثمن أو أكثر جاز، ولا يجوز بأقل على مقتضى حديث عائشة، لأنه أعطى ستمائة ليأخذ ثمانمائة والسلعة لغو، وهذا هو الربا بعينه‏.‏ وأما الثالثة إلى أبعد من الأجل، فإن كان اشتراها وحدها أو زيادة فيجوز بمثل الثمن أو أقل منه، ولا يجوز بأكثر، فإن اشترى بعضها فلا يجوز على كل حال لا بمثل الثمن ولا بأقل ولا بأكثر‏.‏ ومسائل هذا الباب حصرها علماؤنا في سبع وعشرين مسألة، ومدارها على ما ذكرناه فاعلم‏.‏

قوله تعالى‏{‏فله ما سلف‏{‏ أي من أمر الربا لا تباعة عليه منه في الدنيا ولا في الآخرة، قاله السدي وغيره‏.‏ وهذا حكم من الله تعالى لمن أسلم من كفار قريش وثقيف ومن كان يتجر هنالك‏.‏ وسلف‏:‏ معناه تقدم في الزمن وانقضى‏.‏

قوله تعالى‏{‏وأمره إلى الله‏{‏ فيه أربع تأويلات‏:‏ أحدها أن الضمير عائد إلى الربا، بمعنى وأمر الربا إلى الله في إمرار تحريمه أو غير ذلك‏.‏ والآخر أن يكون الضمير عائداً على ‏{‏ما سلف‏{‏ أي أمره إلى الله تعالى في العفو عنه وإسقاط التبعة فيه‏.‏ والثالث أن يكون الضمير عائدا على ذي الربا، بمعنى أمره إلى الله في أن يثبته على الانتهاء أو يعيده إلى المعصية في الربا‏.‏ واختار هذا القول النحاس، قال‏:‏ وهذا قول حسن بين، أي وأمره إلى الله في المستقبل إن شاء ثبته على التحريم وإن شاء أباحه‏.‏ والرابع أن يعود الضمير على المنتهى، ولكن بمعنى التأنيس له وبسط أمله في الخير، كما تقول‏:‏ وأمره إلى طاعة وخير، وكما تقول‏:‏ وأمره في نمو وإقبال إلى الله تعالى وإلى طاعته‏.‏

قوله تعالى‏{‏ومن عاد‏{‏ يعني إلى فعل الربا حتى يموت، قاله سفيان‏.‏ وقال غيره‏:‏ من عاد فقال إنما البيع مثل الربا فقد كفر‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ إن قدرنا الآية في كافر فالخلود خلود تأبيد حقيقي، وإن لحظناها في مسلم عاص فهذا خلود مستعار على معنى المبالغة، كما تقول العرب‏:‏ ملك خالد، عبارة عن دوام ما لا يبقى على التأبيد الحقيقي‏.‏

 الآية رقم ‏(‏276‏)‏

‏{‏يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم‏}‏

قوله تعالى‏{‏يمحق الله الربا‏{‏ يعني في الدنيا أي يذهب بركته وإن كان كثيراً‏.‏‏"‏روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏إن الربا وإن كثر فعاقبته إلى قل‏)‏‏.‏ وقيل‏{‏يمحق الله الربا‏{‏ يعني في الآخرة‏.‏ وعن ابن عباس في قوله تعالى‏{‏يمحق الله الربا‏{‏ قال‏:‏ لا يقبل منه صدقة ولا حجاً ولا جهاداً ولا صلةً‏.‏ والمحق‏:‏ النقص والذهاب، ومنه محاق القمر وهو انتقاصه‏.‏ ‏{‏ويربي الصدقات‏{‏ أي ينميها في الدنيا بالبركة ويكثر ثوابها بالتضعيف في الآخرة‏.‏ وفي صحيح مسلم‏:‏ ‏(‏إن صدقة أحدكم لتقع في يد الله فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى يجيء يوم القيامة وإن اللقمة لعلى قدر أحد‏)‏‏.‏ وقرأ ابن الزبير ‏{‏يمحق‏{‏ بضم الياء وكسر الحاء مشددة ‏{‏يربي‏{‏ بفتح الراء وتشديد الباء، ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك‏.‏

قوله تعالى‏{‏والله لا يحب كل كفار أثيم‏{‏ ووصف كفار بأثيم مبالغة، من حيث اختلف اللفظان‏.‏ وقيل‏:‏ لإزالة الاشتراك في كفار، إذ قد يقع على الزارع الذي يستر الحب في الأرض‏:‏ قاله ابن فورك‏.‏

 الآية رقم ‏(‏277‏)‏

‏{‏إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون‏}‏

قوله تعالى‏{‏إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة‏{‏ تقدم القول فيه وخص الصلاة والزكاة بالذكر وقد تضمنها عمل الصالحات تشريفا لهما وتنبيها على قدرهما إذ هما رأس الأعمال الصلاة في أعمال البدن والزكاة في أعمال المال‏.‏

قوله تعالى‏{‏لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون‏{‏ الخوف هو الذعر ولا يكون إلا في المستقبل وخاوفني فلان فخفته أي كنت أشد خوفا منه والتخوف التنقص ومنه قوله تعالى ‏{‏أو يأخذهم على تخوف‏}‏النحل‏:‏ 47‏]‏ وقرأ الزهري والحسن وعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق ويعقوب ‏{‏فلا خوف‏{‏ بفتح الفاء على التبرمة والاختيار عند النحويين الرفع والتنوين على الابتداء لأن الثاني معرفة لا يكون فيه إلا الرفع لأن ‏{‏لا‏{‏ لا تعمل في معرفة فاختاروا في الأول الرفع أيضا ليكون الكلام من وجه واحد ويجوز أن تكون ‏{‏لا‏{‏ في قوله فلا خوف بمعنى ليس والحزن والحزن ضد السرور ولا يكون إلا على ماض وحزن الرجل - بالكسر - فهو حزن وحزين وأحزنه غيره وحزنه أيضا مثل أسلكه وسلكه ومحزون بنى عليه قال اليزيدي حزنه لغة قريش وأحزنه لغة تميم وقد قرئ بهما واحتزن وتحزن بمعنى والمعنى في الآية فلا خوف عليهم فيما بين أيديهم من الآخرة ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا وقيل ليس فيه دليل على نفي أهوال يوم القيامة وخوفها على المطيعين لما وصفه الله تعالى ورسوله من شدائد القيامة إلا أنه يخففه عن المطيعين وإذا صاروا إلى رحمته فكأنهم لم يخافوا والله أعلم‏.‏